عبد الملك الجويني
13
نهاية المطلب في دراية المذهب
وهذا لو قلت به ، لم يكن بعيداً . وما ذكروه وإن كان غريباً ، فهو متجه جداً في القياس ، لما ذكرناه من أن الأخبار عن الهلال تعرض لوقت العبادة ، فهلال رمضان به يُستبان دخول وقت العبادة ، وهلال شوال به يُستبان خروج وقت العبادة . فإن اعتقد معتقدٌ ذلك ، جرى المعنى سديداً . وإن جرينا على ظاهر المذهب ، فلا يجري توجيه قول الاكتفاء بالشاهد الواحد من طريق المعنى ، وإنما مستنده الأثر والخبر ، مع التمسك بطرفٍ من الاحتياط للعبادة ، وهذا يوجب الفرق بين [ الهلالين ] ( 1 ) ، وإليه أشار عليٌّ رضوان الله عليه ، إذ قال : " لأن أصوم يوماً من شعبان أحبُّ إليّ من أن أفطر يوماً من رمضان " ( 2 ) . وإنما قال ذلك لأنه كان يبالغ في الاحتياط في الشهادة ، حتى نقل عنه تحليفُ الشهود ، وكان لا يحتاط [ في هذا لرمضان ] ( 3 ) ويقول ما روينا عنه . والشهادة شهادة حِسبة ، لا ارتباط لها بالدعاوى . 2274 - وإن قلنا : لا يشترط العدد ، فقد اختلف أئمتنا في أنه يُنحى به مع الاكتفاء بالواحد نحو الشهادات ، أو ينحى به نحو الروايات : فقال بعضهم : هو رواية على هذا القول ، بدليل الاكتفاء بالواحد ، وقال آخرون : هو شهادة ، والمعتمد في الاكتفاء بالواحد ما قدمناه من الأثر والخبر ، وهذا القائل يقول : مراتب الشهادات في العدد ، والصفة ، متباينة ، فقبول الواحد على شرط الشهادة أدنى المراتب ، واشتراط الأربعة أعلاها ، فإن جعلناه شهادةً ، اشترطنا الذكورة ، والحرية ، ولفظَ الشهادة ، والإقامة في مجلس القضاء ، وإن جعلناها روايةً [ قبلناها ] ( 4 ) من الأَمَة مع ظهور الثقة ، ولم نشترط لفظَ الشهادة ، وقلنا : لو أخبر واحدٌ الناسَ بالرؤية ، لزم
--> ( 1 ) في الأصل : الهلال . ( 2 ) أثر علي رضي الله عنه رواه الشافعي في الأم : 2 / 94 ، والدارقطني : 2 / 170 ، والبيهقي : 4 / 212 ( ر . التلخيص : 2 / 402 ) . ( 3 ) بياض في الأصل . ( 4 ) في الأصل : قبلنا ، و ( ط ) : قبلناه .